صديق الحسيني القنوجي البخاري
483
فتح البيان في مقاصد القرآن
قال الزجاج : أي هذا موضع عجب أيضا أنهم أنكروا البعث وقد بين لهم من خلق السماوات والأرض ما يدل على أن البعث أسهل في القدرة وقد تقرر في النفوس أن الإعادة أهون من الإبداء فهذا موضع التعجيب ، وقيل الآية في منكري الصانع مع الأدلة الواضحة بأن المتغير لا بدّ له من مغير من مغير فهو محل التعجب . والأول أولى لقوله : أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ والجملة في محل الرفع أو النصب والعجب على الأول كلامهم وعلى الثاني تكلمهم بذلك أو لا يرون أنه خلقهم من نطفة ، فالخلق منها أشد من الخلق من تراب وعظام ، والعامل في إذا نبعث أو نعاد ، والاستفهام منهم للانكار المفيد لكمال الاستبعاد ، وفي هذا الاستفهام المكرر اختلف القراء اختلافا منتشرا وهو في أحد عشر موضعا في تسع سور من القرآن ولا بدّ من تعيينها . فأولها : هنا . والثاني والثالث : في الإسراء بلفظ واحد أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [ الإسراء : 49 ] . والرابع : في المؤمنون أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ المؤمنون : 82 ] . والخامس : في النمل أَ إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَ إِنَّا لَمُخْرَجُونَ [ النمل : 67 ] . والسادس : في العنكبوت إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [ العنكبوت : 28 - 29 ] . والسابع : في ألم السجدة أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [ السجدة : 10 ] . والثامن والتاسع : في الصافات أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ المؤمنون : 82 ] وأئنا لمدينون . والعاشر : في الواقعة مثل الصافات . والحادي عشر : في النازعات أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً [ النازعات : 10 - 11 ] . فهذه هي المواضع المختلف فيها ثم الوجه في قراءة من استفهم في الأول والثاني المبالغة في الانكار فأتى به في الجملة الأولى وأعاد في الثانية تأكيدا له ، والوجه في قراءة من أتى به مرة واحدة حصول المقصود ، لأن كل جملة مرتبطة بالأخرى فإذا أنكر في إحداهما حصل الإنكار في الأخرى ، ذكره السمين ، وتقديم الظرف في قوله : لَفِي خَلْقٍ لتأكيد الإنكار بالبعث .